القلب والزجاجة
وصلتني قصة أطفال «القلب والزجاجة» The Heart and the Bottle لأوليفر جيفرس، بترجمة بثينة العيسى، هدية من فاطمة الخياط، عضوة في نادي السبت للقراءة.
لم أستغرب أنها أهدتني قصة أطفال، بالعكس، من اللحظة الأولى شعرت أن في شيء بهذه القصة أعجبها وتحب ان اراه! قرأت القصة في البداية قراءة سريعة، وفهمت الفكرة بشكل عام، لكن كان لدي سؤال: لماذا وضعت الطفلة قلبها في الزجاجة؟ شعرت أن في فجوة في القصة، أو شيء لم افهمه.
بعد أيام فتحت القصة مرة ثانية، واكتشفت أن المشكلة لم تكن في القصة، لكن في طريقة قراءتي لها 🙂 كنت أركز على الكلمات المكتوبة، ولم انتبهت بشكل كبير للصور. هذا الأمر جعلني أفكر: الى أي مدى نحن البالغين ننتبه للصور! نقرأ الكلام ونمر على الصورة بسرعة… لكن عندما نقرأ قصة لطفل، لا نقرأ له الجملة فقط، لكن نسأله: ماذا ترى في الصورة؟ ماذا تفعل الطفلة؟ كيف تشعر؟ ماذا يوجد حولها؟
الجد: الأمان والمعرفة والتجربة
في بداية القصة نرى طفلة عندها فضول كبير تجاه العالم. تريد أن تعرف عن الزهور، والنجوم، والبحر، والمخلوقات. ترسم، وتسبح، وتتخيل، وتسأل. وفي كل هذه التجارب تقريبًا هناك شخص موجود معها: جدها. بالنسبة لي، الجد هنا لا يمثل فقط شخص تحبه الطفلة. لكنه يمثل الأمان، والمعرفة، والتجربة. هو الذي يقرأ لها، ويحدثها عن العالم، ويشاركها تجاربها. ومع وجوده كانت تشعر بالأمان الكافي حتى تستكشف وتسأل وتجرب. وكأنه كان نافذتها الأولى التي ترى من خلالها العالم.
ثم فجأة تذهب إليه، وتجد الكرسي فارغ.

وهنا مشهد الفقد والألم. الصورة وحدها كانت كافية بدون كلمات: غرفة مظلمة، طفلة حزينة، وكرسي فارغ.
الشخص الذي كان موجود دائمًا لم يعد موجود. بعد هذا الفقد تشعر الطفلة بالألم، ولا تعرف ماذا تفعل بهذا الشعور. فتقرر أن تضع قلبها في مكان آمن. تضعه داخل زجاجة، وتعلق الزجاجة حول عنقها.
القلب داخل الزجاجة

هي لم تتخلص من قلبها. ما زالت تريده معها، قريب منها، لكنها تريد أن تحميه. كأنها تقول: لا أريد أن أتألم مرة ثانية. وهنا أصبحت الزجاجة بالنسبة لي رمز لكل الطرق التي نحاول بها حماية أنفسنا بعد الألم. قد ننسحب، أو نتجنب، أو نقرر ألا نثق بسهولة، أو نضع مسافة بيننا وبين الناس. نعتقد أننا بهذه الطريقة نحمي أنفسنا. لكن المشكلة أن الزجاجة مغلقة من الجهتين.
لا شيء يدخل، ولا شيء يخرج .. لا نستقبل ولا نرسل.
إذا منعت الألم من الوصول إلى قلبي، ماذا سيحدث للحب؟ للفرح؟ للدهشة؟ للفضول؟ وحتى لقدرتي على التعبير والوصول إلى الآخرين؟ هنا، من هذه النقطة .. البحر لم يعد يعني للطفلة شيء، ولم تعد تهتم للنجوم التي كانت تثير فضولها، العالم موجود كما هو، لكن هي لم تعد تتفاعل معه كما كانت.
تمر السنوات… والقلب ما زال داخل الزجاجة
تمر السنوات، وتكبر الطفلة وتصبح امرأة، بينما قلبها ما زال داخل الزجاجة. هي ما زالت تعيش. تأكل وتشرب وتكبر وتمارس حياتها بشكل طبيعي. ربما من الخارج لا يوجد شيء واضح يجعلنا نقول إن هناك مشكلة. لكنها تعيش بقلب داخل زجاجة.
فقدت فضولها، ودهشتها، واندماجها مع الحياة. هنا أرى أن القصة لم تعد فقط عن الحزن بعد فقد شخص نحبه. بالنسبة لي أصبحت أيضاً عن آليات الحماية التي نستخدمها في لحظة ألم، ثم تستمر معنا بعد انتهاء الحاجة إليها.
في البداية كانت تريد أن تحمي قلبها «لبعض الوقت». لكن هذا الوقت أصبح سنوات. أحياناً الشيء الذي ساعدنا في مرحلة ما لا يعود مناسبًا لنا في مرحلة أخرى. لكن ممكن أن يتحول إلى حاجز. ما أنقذنا في لحظة ما قد يصبح لاحقًا ما يعزلنا عن الحياة.
الطفلة التي أعادت السؤال
بعد سنوات تلتقي المرأة بطفلة صغيرة على الشاطئ. هذه الطفلة تسأل عن البحر ومخلوقاته. عندها فضول، وتريد أن تعرف. مثل بطلة القصة عندما كانت صغيرة. وعند قراءة القصة ستعي أنها في الماضي كانت ستعرف كيف تجيب عن سؤال الطفلة، لكنها الآن لا تعرف. وأعتقد أن هذا السؤال البسيط من الطفلة جعلها ترى شيئًا في نفسها لم تنتبه إليه منذ سنوات.
أين ذهب فضولي؟
أين الطفلة التي كانت تريد أن تعرف كل شيء؟
أين قلبي؟
يمكن أن تكون الطفلة الصغيرة مجرد شخص ساعدها، لكنني أحب أن أراها وكأنها تمثل جزءًا قديم منها: الطفلة الفضولية التي كانتها قبل الفقد. في هذه اللحظة قررت أن تستعيد قلبها. لكن المفاجأة أنها لا تستطيع إخراجه من الزجاجة !!! تحاول بطرق مختلفة، تستخدم الأدوات والقوة، وتحاول كسر الزجاجة، ولا تنجح.
نحن أحيانًا نبني طريقة معينة لحماية أنفسنا ونعيش بها سنوات، ثم عندما نقرر أننا لم نعد نريدها نتوقع أن نتخلص منها بسهولة 🙂 لكن الأمر ليس بهذه البساطة. في النهاية الطفلة الصغيرة هي التي تساعدها في إخراج القلب.
أحببت أن التي ساعدتها كانت طفلة، وليس شخصًا أكثر قوة أو أكثر معرفة منها. المرأة حاولت بالقوة ولم تستطع، بينما فضول الطفلة وجد الحل. ربما العودة إلى الحياة لا تحتاج دائماً إلى أن نحاول إصلاح أنفسنا بالقوة. أحياناً تبدأ بأشياء بسيطة جداً: أن نسأل من جديد، أن نجرب، أن نهتم، أن نندهش، وأن نسمح لأنفسنا أن نتصل بالعالم مرة أخرى.
الكرسي الفارغ
بعد أن يعود القلب إلى مكانه، تعود المرأة إلى الكرسي. الكرسي بالنسبة لي واحد من أهم الرموز في القصة. في البداية كان الجد يجلس عليه، فكان مرتبط بالأمان والمعرفة. بعد فقده أصبح الكرسي فارغ، وأصبح يمثل الغياب والحزن. وفي النهاية لا يعود الجد ليجلس عليه. ولكن هي التي تجلس.
الجد لن يعود، وما حدث لن يتغير، لكنها تستطيع الآن أن تنظر إلى الكرسي وتجلس عليه وتكمل حياتها. والأجمل أن صورة الجد ما زالت موجودة بجانبها. هي لم تنسَه. ولم يكن عليها أن تنساه حتى تكمل حياتها.
الزجاجة بقيت… لكنها فارغة
وهناك تفصيل أخير أحببته: الزجاجة بقيت موجودة، لكنها أصبحت فارغة. ربما لهذا بقيت هذه الصورة معي بعد أن أغلقت الكتاب. لأنها لم تقل لي إن الألم انتهى، أو إن كل شيء عاد كما كان. الزجاجة ما زالت هناك، وصورة الجد ما زالت هناك، والكرسي نفسه ما زال هناك. الأشياء لم تختفِ، لكن علاقتها بها تغيرت.
وأنا أقرأ، وجدت نفسي أفكر في الزجاجات التي نصنعها نحن أيضاً، دون أن نسميها زجاجات. أشياء فعلناها في وقت ما لأننا كنا نحتاج فعلًا أن نحمي أنفسنا، ثم اعتدنا عليها إلى درجة أننا نسينا لماذا بدأت أصلًا.
شكراً فاطمة اهديتني القصة بعد وفاة أمي.
صورة الغلاف مستخدمة من صفحة الناشر الرسمية للتعريف بالكتاب. الرسوم وحقوقها تعود إلى أوليفر جيفرس والناشر. صفحة الكتاب لدى Penguin Random House.


